وقدّم محامي النيابة العامة، ويليام إملين جونز، مرافعاته الختامية، الاثنين 2 نوفمبر (تشرين الثاني)، مع بداية الأسبوع الخامس من محاكمة مصطفى سبهوند وفرهاد جوادي منش وشابور قلعة علي خاني نوري، أمام المحكمة الملكية في وولويتش بلندن. وقال إن المتهمين الثلاثة نفذوا الأنشطة نفسها التي طلبها منهم الحرس الثوري الإيراني في بريطانيا.
وجادل جونز بأن عدم تنفيذ الهجوم لا ينفي مساعدة المتهمين للحرس الثوري الإيراني؛ إذ إن التوجه إلى العناوين والتقاط الصور ومقاطع الفيديو ومحاولة تحديد أماكن الأشخاص المستهدفين، كانت في حد ذاتها جزءًا من الأنشطة التي طلبها الحرس الثوري الإيراني.
وكان سبهوند قد قال في دفاعه إنه تصرف تحت ضغط التهديد بقتله وقتل أفراد أسرته، وإنه تعمّد في الوقت نفسه عدم تنفيذ المهمة على نحو صحيح، حتى لا يتعرض أحد للأذى. كما قال جوادي منش ونوري إنهما لم يكونا يعلمان أن أنشطتهما تصب في خدمة الجهاز الاستخباراتي الإيراني. لكن النيابة العامة رفضت هذه الدفوع.
وقبل بدء مرافعة جونز، شرح القاضي تشيما غراب التعليمات القانونية لهيئة المحلفين، مؤكدًا أن المرافعات الافتتاحية والختامية للمحامين لا تُعد في حد ذاتها أدلة، وأن مسؤولية اتخاذ القرار بشأن الأدلة تقع على عاتق أعضاء هيئة المحلفين.
النيابة العامة: تحديد العناوين كان جزءًا من الحضير لأعمال العنف
قال جونز إن الحرس الثوري اختار سبهوند لتنفيذ أنشطة داخل بريطانيا، وإن الأخير استعان بجوادي منش ونوري لمساعدته. وأضاف أن مهمتهم كانت التوجه إلى العناوين المحددة، والتقاط الصور، ومحاولة العثور على الأشخاص الذين اختارهم الحرس الثوري أهدافًا له.
وأوضح محامي الادعاء أن معرفة عنوان مبنى قناة "إيران إنترناشيونال" وحدها لم تكن كافية لتنفيذ الهجوم. وقال إن الوصول إلى الأشخاص المستهدفين كان يتطلب تحديد أماكن وجودهم وتحركاتهم والأوقات التي يكونون فيها بمفردهم، بما في ذلك الأوقات التي يخرجون فيها من منازلهم للتنزه مع كلابهم.
وأشار جونز إلى معلومات مثل الصور الجوية والعناوين وبيانات السيارات، موضحًا أن المعلومات المقدمة لم تكن مكتملة دائمًا. واستشهد بتصوير جوادي منش أشخاصًا غير مستهدفين في الشارع المعني، وقال إن اعتراضات سبهوند المتكررة على نقص المعلومات أو عدم دقتها تُظهر أنه كان يسعى بالفعل إلى العثور على الأشخاص المستهدفين.
وطلب جونز من هيئة المحلفين النظر في سبب إصرار سبهوند على الحصول على معلومات أكثر دقة، إذا كان، بحسب دفاعه، لا ينوي تنفيذ المهمة.
القاضي: المحاكمة تتعلق بسلوك المتهمين وليس بسياسات النظام الإيراني
قال القاضي تشيما غراب لهيئة المحلفين إن هذه المحاكمة «ليست استفتاءً على سلوك النظام الإيراني أو سياساته»، بل تتعلق بسلوك المتهمين الثلاثة في القضية.
وشدد على أن أعضاء هيئة المحلفين يجب أن يطبقوا القانون وفقًا للتعليمات التي قدمتها المحكمة، لكن تحديد الوقائع وتقييم الأدلة يقعان على عاتقهم. وأضاف أن استخلاص النتائج من الأدلة أمر جائز، لكن الاستنتاجات القائمة على التخمين والافتراض غير مقبولة.
وذكّر القاضي هيئة المحلفين أيضًا بأن النيابة العامة تتحمل مسؤولية إثبات إدانة المتهمين، وأن المتهم ليس ملزمًا بإثبات براءته.
وفي توضيح لمواقف الطرفين، قال القاضي إن أصل الأنشطة التي نُفذت ليس محل خلاف، وإنما يتمحور الخلاف حول تفسير المتهمين لأسباب تلك الأنشطة وأهدافها. فسبهوند يدعي أنه تصرف تحت التهديد وتعمد عدم إنجاز المهمة، بينما ينفي المتهمان الآخران علمهما بارتباط أنشطتهما بالحكومة الإيرانية.
التهم الثلاث والاختلاف في أدوار المتهمين
تشمل التهمة الأولى المتهمين الثلاثة، وتتعلق بتنفيذ أنشطة يُحتمل أن تقدم مساعدة فعالة لأنشطة جهاز استخباراتي أجنبي مرتبطة ببريطانيا. ويتعين على النيابة العامة إثبات أن المتهمين كانوا يعلمون، أو كان ينبغي لهم بصورة معقولة أن يعلموا، أن أنشطتهم قد تقدم مثل هذه المساعدة.
أما التهمة الثانية، فتقتصر على سبهوند، وتستند إلى ادعاء النيابة العامة بأنه كان ينوي تنفيذ الهجوم العنيف بنفسه.
وتتعلق التهمة الثالثة بجوادي منش ونوري. وتقول النيابة العامة إنهما شاركا في التحضير للهجوم بقصد أن ينفذ شخص آخر، وهو سبهوند، أعمال العنف.
وبحسب رواية الادعاء، كان الهدف النهائي من تحديد الأشخاص ومراقبتهم هو شن هجوم عنيف خطير على شخص واحد أو أكثر منهم.
الرسائل الخاصة في مواجهة دفاع سبهوند
خصص جونز جزءًا كبيرًا من مرافعته للقول إن رسائل سبهوند إلى مصطفى قرباني وشخص يُدعى أمين تكشف عن نيته الحقيقية، وإن التفسيرات التي قدمها أثناء شهادته صيغت لتبرير تلك الرسائل.
وقال جونز إن سبهوند ذكر مرارًا في رسائله الخاصة أنه سيذهب إلى العناوين المحددة وينفذ المهمة المطلوبة، بشرط الحصول على أموال كافية، وتسوية قضيته الجنائية في إيران، وتلقي المعلومات اللازمة لتحديد أماكن الأشخاص المستهدفين.
وطلب محامي الادعاء من هيئة المحلفين الانتباه إلى محادثة استمرت أربع ساعات، وتضمنت أكثر من 300 رسالة بين سبهوند وقرباني، صديق طفولته. وتساءل عما إذا كان من الممكن اعتبار جميع هذه الرسائل والمقاطع الصوتية الطويلة تمثيلاً متعمدًا هدفه خداع الحرس الثوري.
كما أشار جونز إلى ما وصفه بالتناقضات في أقوال سبهوند؛ إذ تحدث أحيانًا عن الاستعانة بمجموعة الحرس الثوري، وأحيانًا أخرى عن مجموعته الخاصة، ووصف أسرته مرة بأنها تخشى الحرس الثوري، ثم قال في مناسبة أخرى إن الحرس الثوري هو الذي يخشى أسرته.
وقارن محامي الادعاء أيضًا النبرة الودية في رسائل سبهوند إلى أمين بادعائه أنه كان يتعرض للضغط من الشخص نفسه. وقال إن التفسير الأكثر اتساقًا مع مجمل الرسائل هو أن سبهوند تعاون طواعية، على أمل الحصول على امتيازات مقابل ذلك.
وسلط جونز الضوء كذلك على الاختلاف بين هذه الردود وتفسيرات سبهوند بشأن الرسائل المتعلقة بوحيد مالمير. وقال إن تفسيرات سبهوند كانت أكثر وضوحًا عندما تعلق الحديث بمالمير وتسوية القضية الجنائية في إيران، بعيدًا عن مسألة تحديد الأشخاص المستهدفين.
"واتساب" وادعاء أن الحرس الثوري كان يقرأ الرسائل
شكك جونز في دفاع سبهوند القائل إنه أرسل رسائله وهو يعلم أن الحرس الثوري يراقبها.
وقال محامي الادعاء إن سبهوند ميّز في رسائله إلى قرباني بين المكالمات الهاتفية ورسائل "واتساب"، وكان يعتبر رسائل "واتساب" آمنة. وأضاف أن سبهوند كان يعتقد أن الوصول إلى تلك الرسائل يقتصر عليه وعلى قرباني.
وأشار إلى حالات طلب فيها سبهوند من قرباني عرض رسائله على أمين وحاجي، أو تشغيل تسجيلاته الصوتية أمامهما. واعتبر جونز هذه الطلبات دليلاً على أن سبهوند لم يكن يعتقد أن الآخرين يطّلعون على رسائله أو يستمعون إليها تلقائيًا.
وقال محامي الادعاء أيضًا إن الرسائل وصلت إلى الشرطة بعد مصادرة هواتف المتهمين. وخلص إلى أن ادعاء سبهوند بأنه صاغ رسائله بهدف خداع الأشخاص الذين كانوا يراقبونه لا يمكن قبوله.
الأموال وتسوية القضية الجنائية: صفقة مقابل العودة إلى إيران
قال جونز إن شكاوى سبهوند من عدم حصوله على الأموال لم تكن جزءًا من تمثيلية لخداع الحرس الثوري، بل تُظهر أنه كان يتوقع بالفعل الحصول على أجر مقابل مهمة مكلفة وخطيرة.
واعتبر تسوية قضية سبهوند المتعلقة بـ 32 واقعة سرقة في إيران امتيازًا آخر كان يسعى إلى الحصول عليه. وقال إن الرسائل تكشف عن مفاوضات بين الطرفين؛ إذ أراد سبهوند تسوية قضيته أولاً ثم تنفيذ المهمة، بينما اشترط الطرف الآخر تنفيذ المهمة للنظر في قضيته.
وتساءل محامي الادعاء عن سبب الأهمية الكبيرة التي كانت تمثلها تسوية القضية بالنسبة إلى شخص كان يعيش في بريطانيا. وأجاب بأن سبهوند أراد العودة إلى إيران دون القلق من إدانته قضائيًا.
وأشار جونز إلى رسائل مالمير بشأن تسوية القضية وإمكانية عودة سبهوند إلى إيران، وإلى رد الأخير بالإيجاب. كما استشهد برسالة من قرباني تحدث فيها عن توفير منزل واستقبال سبهوند في المطار.
وبحسب حجة النيابة العامة، فإن رغبة سبهوند في العودة إلى إيران لا تتوافق مع روايته بأنه كان يخشى النظام الإيراني. وقال جونز إن قضية أصفهان أصبحت، لهذا السبب، جزءًا من المساومة مقابل تنفيذ المهمة في بريطانيا.
النيابة العامة تعتبر ادعاء الإكراه بلا سند
قال جونز إن السؤال في هذه القضية ليس ما إذا كان النظام الإيراني قادرًا على التهديد وممارسة الضغط، بل ما إذا كان سبهوند قد تصرف في هذه القضية نتيجة تهديد من هذا النوع.
وأشار إلى رواية سبهوند بشأن تعرض أفراد من أسرته للأذى، وقال إن ادعاء الإكراه يجب تقييمه في ضوء وجود تهديد فوري أو شبه فوري بالقتل، وعلاقته بالأفعال موضوع الاتهام. وأضاف أنه لا توجد أدلة تُظهر وقوع مثل هذا الضغط في هذه القضية.
وتساءل محامي الادعاء أيضًا عن سبب لجوء الحرس الثوري إلى شخص لا يرغب في التعاون، مع تحمله خطر أن يتوجه هذا الشخص إلى الشرطة.
وتطرق جونز إلى رواية سبهوند بشأن تهديد شخص يُدعى «أبي»، وقال إن سبهوند رد عليه بعبارات نابية، وإن ذلك الشخص لم يعد له دور في القضية بعد ذلك.
وأضاف أن سبهوند طرح لاحقًا رواية عن دور نويد وحاجي في تهديده، بهدف دعم دفاعه القائم على الإكراه. واستشهد جونز برسائل قديمة بين سبهوند ونويد، وبحظر التواصل مع نويد على هاتف سبهوند، وقال إنه لم تُقدم أدلة تثبت الدور المزعوم لنويد في تهديد المتهم.
كما تناول محامي الادعاء التغيّر في رواية سبهوند بشأن هجوم سابق تعرض له في لندن. وقال إن أقوال المتهم بشأن عدد المهاجمين ومكان الاعتداء وصلته بالحكومة الإيرانية اختلفت عن روايته الأولية.
وأكد جونز أنه لا توجد في رسائل سبهوند المتعددة مؤشرات على تعرضه للتهديد أو إبدائه الخوف من تنفيذ المهمة. وتأتي هذه الحجة في مواجهة دفاع سبهوند الذي قال إن التهديدات وردت خلال المكالمات الهاتفية، وإن سلوكه الودي الظاهر كان يهدف إلى حماية نفسه وأسرته.