ويقول المصدر، الذي أفاد بأنه طُرد من قوات الشرطة عقب احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، إنه لا يزال على اتصال بعدد من زملائه السابقين. وأوضح أن المعلومات التي قدمها بشأن عمليات القمع يومي 8 و9 يناير (كانون الثاني) الماضي استقاها من اتصالاته بزملائه السابقين.
وتُظهر روايته، إلى جانب رسائل المواطنين بشأن تسلل أشخاص مسلحين إلى التجمعات، وإطلاق النار من المباني الحكومية وأسطح المنازل، واعتقال المصابين ومداهمة المنازل، أبعادًا مختلفة لعمليات القمع في المحافظة.
وقد جرى الإبلاغ عن الاحتجاجات وتوثيقها في ما لا يقل عن 24 مدينة وبلدة في محافظة فارس، وفقًا للروايات ومقاطع الفيديو التي أُرسلت إلى "إيران إنترناشيونال".
اتساع رقعة الاحتجاجات من "شيراز" إلى المدن الصغيرة والمناطق الصناعية
بحسب مجموعة المعلومات الواردة، اتسعت رقعة الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في محافظة فارس منذ مطلع يناير الماضي، مع تنظيم تجمعات في الشوارع وإضرابات لأصحاب المحال التجارية، وبلغت مرحلة أوسع يومي 8 و9 يناير، بالتزامن مع الدعوة التي أطلقها ولي عهد إيران السابق، رضا بهلوي.
وشملت المدن التي انضمت إلى الاحتجاجات في محافظة فارس: شيراز، ومرودشت، وممسني، وفيروز آباد، وكوهجنار، وآباده، وجهرم، وكازرون، وداراب، وفَسا، ورستم، وغراش، وني ريز، ولامرد، وباسارغاد، وجويم، وزرقان، وسبيدان، وقير وكارزين، واستهبان، وأرسنجان، وإقليد، وسروستان، ولارستان.
وتضم هذه المناطق 24 مدينة وبلدة من أصل 37 في محافظة فارس، أي ما يعادل نحو 65 في المائة من إجمالي مدن المحافظة وبلداتها. ويقطن هذه المناطق أكثر من 80 في المائة من سكان المحافظة، بمن فيهم الفرس والعرب والقشقائيون واللور.
وفي "مرودشت"، وردت تقارير عن نشاط مخبرين تابعين للنظام بهدف القتل والقمع منذ 2 يناير 2026، وعن إضراب أصحاب المحال التجارية في الرابع من الشهر ذاته. وفي "آباده"، أفاد شاهد عيان بتجمع شبان في ساحة ولي عصر في اليوم نفسه، مرددين شعار "هذه المعركة الأخيرة، بهلوي سيعود"، قبل أن تهاجمهم القوات بالغاز المسيل للدموع. كما وردت رسائل تتحدث عن إضراب أصحاب المحال التجارية في لابوي وجهرم وكوه جنار.
وبحسب روايات المشاركين، لم تقتصر التركيبة الاجتماعية للتجمعات على الشباب أو فئة بعينها. وقال أحد المحتجين الذين كانوا موجودين في منطقة بارامونت بمدينة شيراز، يوم 9 يناير الماضي، إن النساء والرجال وكبار السن والشباب كانوا في الشوارع، وإن القوات الحكومية تراجعت باتجاه دوار ستاد مع تزايد أعداد المتظاهرين.
وفي "لامرد"، تحدث أحد المواطنين عن مشاركة عمال صناعة الألومنيوم في الاحتجاجات، بينما وصف شاهد عيان في "جهرم" أعداد المحتجين، عقب دعوة بهلوي، بأنها تجاوزت توقعاته. وفي "سروستان"، قال أحد السكان إن المواطنين خرجوا إلى الشوارع صباحًا ومساءً يوم 8 يناير.
كيف جرى تجنيد شبكة المخبرين وتسليحها؟
تحدث عنصر سابق في قوات الشرطة الإيرانية، في رواية أرسلها إلى "إيران إنترناشيونال"، عن أشخاص يُطلق عليهم اسم "هادي" في جهاز استخبارات الشرطة، قال إنهم كانوا مسؤولين عن تجنيد المصادر والمخبرين وإدارتهم.
وبحسب المصدر، ضمت شبكة المخبرين فئتين من الأشخاص: "المخبر الساخن"، ويشمل أشخاصًا مرتبطين بالنظام، و"المخبر البارد"، ويشمل أشخاصًا قال إنهم اختيروا من بين أصحاب السوابق في أعمال العنف أو الناشطين في بيع المخدرات والمشروبات الكحولية.
استخدام مسجلين جنائيًا في قمع الاحتجاجات بمحافظة فارس
قال عنصر الشرطة السابق إن أفراد الفئة الثانية كانوا يُستقطبون للتعاون بعد اعتقالهم وفتح ملفات قضائية بحقهم، من خلال وعود بتخفيف العقوبات أو السماح لهم بمواصلة أنشطتهم. كما أُدرج الموظفون وعناصر "الباسيج" ومسؤولو المؤسسات الحكومية ضمن فئة الأشخاص المرتبطين بالنظام.
وبحسب الرواية نفسها، كان مطعم "زمرد"، المعروف باسم "طلائية"، والواقع في منطقة "بوابة القرآن" بمدينة شيراز والتابع لقوات الشرطة، أحد المواقع المخصصة لإيواء أفراد الشبكة وتوجيههم وتدريبهم. كما جرى تحديد مجمع "الشهيد فعال" في شارع أحمدي نو موقعًا آخر لجمعهم وتجهيزهم. وكان هذا المجمع التابع لقوات الشرطة قد استُخدم مرارًا في السابق لإجراء مناورات أمنية للنظام.
وأشار المصدر إلى توزيع بطاقات ائتمان بقيمة مليوني تومان على المخبرين لشراء احتياجاتهم من متاجر "اتكا". كما تحدث عن توزيع أقنعة سوداء وتجهيز دراجات نارية.
وبحسب المصدر، جرى إعداد الدراجات النارية لفرق تتألف من شخصين: يقود الدراجة شخص مسلح بمسدس، بينما يُجهّز الراكب خلفه بساطور.
وتشير روايات منفصلة لمواطنين إلى وجود مجموعات مسلحة وسائقي دراجات نارية من المخبرين بملابس مدنية بين المحتجين. وقال شاهد في "شيراز" إنه رأى، مساء 9 يناير، أشخاصًا يعرفهم في المدينة يرتدون ملابس سوداء متشابهة ويحملون "سواطير"، ويشكلون مجموعات من عدة أفراد، ثم يسلمون إلى القوات الأمنية كل من ينضم إليهم.
وفي "مرودشت"، سُجل تقرير عن تجول أشخاص على دراجات نارية وهوائية يحملون حقائب جانبية أو أكياسًا، كانوا، بحسب الرواية الواردة، يتعرفون على المحتجين ويبلغون الحرس الثوري وقوات "الباسيج" عنهم.
إطلاق النار من المنشآت لحكومية ومداهمة المنازل والمستشفيات
في شيراز، تحدثت روايات المواطنين عن إطلاق النار في محيط مبنى المحافظة ودوار ستاد والمبنى المعروف باسم "رقم 101" التابع لجهاز حماية المعلومات.
وقال أحد المشاركين في تجمع أمام مبنى المحافظة إن الاحتجاج بدأ نحو الساعة السادسة مساءً، وإن أعداد المتظاهرين ازدادت رغم إطلاق الغاز المسيل للدموع وهجمات القوات. وأضاف أنه عند الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة تقريبًا بدأ إطلاق النار بالذخيرة الحية، ثم خرجت مركبتان مدرعتان من محيط مبنى المحافظة، وتقدمت القوات خلفهما.
وأفاد شاهد آخر بإطلاق مسلحين النار من داخل مبنى جهاز حماية المعلومات، وبإطلاق النار من سطح المبنى المقابل، الذي قال إنه مبنى الفرع المركزي لبنك رفاه في شيراز. وفي رواية أخرى، قال أحد المواطنين إن القوات أطلقت النار من أعلى نفق "باهنر" باتجاه حشد كان يتحرك في محيط ساحة "بارسه".
استخدام قاعدة "الشهيد فعال" لتنظيم المخبرين
وفي "آباده"، أفاد شاهد بأن مجموعات من ثلاثة أو أربعة أشخاص بملابس مدنية، كانوا يستقلون سيارات تحمل لوحات خاصة، هاجموا مراهقين في الأزقة واعتدوا عليهم بالضرب واستولوا على هواتفهم المحمولة. وقال شاهد آخر إن قوات "الباسيج" أطلقت النار على المواطنين من داخل مسجد خلال اشتباكات، يوم الخميس 8 يناير الماضي، قبل إضرام النار في المسجد لاحقًا.
وفي كوه جنار، تشير المعلومات الواردة إلى إقامة موقع للقوات فوق سطح مبنى إدارة المرور يوم 8 يناير. وقال مواطنون من هذه المدينة، في رواية أرسلوها، إن إطلاق النار استهدف الأزقة في حي ساساني آباد من أسطح المباني المرتفعة مساء 9 يناير.
وفي "لامرد"، قال أحد المواطنين إن القوات أغلقت مداخل المدينة في الليلة الثانية من الاحتجاجات، لمنع سكان المناطق والقرى المحيطة من الانضمام إلى المحتجين. وأضاف أن نحو 150 شخصًا، بينهم عدد كبير من عمال الألومنيوم، اعتُقلوا خلال مداهمات ليلية للمنازل ومساكن العمال.
وقال شاهد آخر إنه رأى دراجات نارية تابعة لقوات القمع داخل مبنى مقاطعة "لامرد"، نحو الساعة التاسعة مساءً يوم 10 يناير.
وفي "سروستان"، تحدث أحد المواطنين عن إطلاق الخرطوش، واعتقال أعداد كبيرة من المحتجين، واعتقال أطباء. وفي "جهرم"، قال شاهد إن كثافة إطلاق النار ازدادت في الليلة الثانية من الدعوة للاحتجاج. كما أفادت رسالة أخرى من المدينة بإطلاق النار على سيارة إسعاف جاءت لنقل أحد المصابين.
إطلاق النار على عيون المحتجين في "شيراز"
كانت المراكز الطبية في "شيراز" أيضًا من بين المواقع التي تعرضت للقمع، وفقًا للروايات المتعلقة بالاحتجاجات. وأفاد أحد شهود الاحتجاجات بأن أكثر من مائة شخص وصلوا إلى مستشفيي خليلي ونمازي يومي 8 و9 يناير الماضي، مصابين في أعينهم جراء طلقات الخرطوش. وأضاف أن بين المصابين أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 7 و10 و13 عامًا.
كما أفاد مصدر آخر، عرّف نفسه بأنه أحد العاملين في المستشفى، بوجود قوات أمنية في مستشفى امتياز، المعروف باسم رجائي، ومنعها تقديم الخدمات الطبية لعدد من المصابين.
وبالإضافة إلى ذلك، تحدث أحد المواطنين عن تمركز القوات في روضة أطفال قرب ساحة بارسه، وعن تردد عناصر أمنية على متجر لبيع منتجات التبغ في حي شاه قل بيغي بمدينة شيراز. وتنسجم هذه الرواية مع إفادات وردت من محافظات أخرى بشأن استخدام منشآت مدنية لإيواء القوات وتقديم الدعم لها.
مثلث الأزمات بالتزامن مع الاحتجاجات في محافظة فارس
اتسعت رقعة احتجاجات الإيرانيين في محافظة فارس عقب دعوة ولي عهد العهد السابق، رضا بهلوي، بالتزامن مع تصاعد الاستياء السياسي والحرمان الاجتماعي والضغوط على مصادر المعيشة.
وعلى الصعيد السياسي، كان انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات أحد المؤشرات على ابتعاد قطاع واسع من المجتمع عن النظام. وقد ظهر هذا الانقسام السياسي بوضوح في نسب المشاركة الانتخابية في المحافظة.
فبحسب تقرير نُشر نقلاً عن رئيس لجنة الانتخابات في محافظة فارس، أدلى أكثر من 36 في المائة من الناخبين المؤهلين في المحافظة بأصواتهم في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية عام 2024، ما يعني أن نحو ثلثيهم لم يشاركوا في التصويت. ويأتي ذلك في وقت تجاوزت فيه نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل عام 2009 في المحافظة 87 في المائة، وفقًا للتقارير.
وعلى الصعيد الاجتماعي، ظل التوسع العمراني العشوائي وعدم المساواة في الحصول على الخدمات من المشكلات المتجذرة في شيراز ومحيطها. ففي سبتمبر (أيلول) 2021، تحدث أحد أعضاء مجلس المدينة عن وجود مشكلة التوسع العمراني العشوائي في 40 قرية، تقع غالبيتها في جنوب شيراز وجنوبها الشرقي وجنوبها الغربي، وقال إن معظم هذه القرى محرومة من الخدمات الأساسية.
أما الأزمة الثالثة، فتتمثل في الضغوط الاقتصادية الناجمة عن شح المياه وهشاشة سبل العيش المعتمدة على الزراعة. ففي 25 ديسمبر (كانون الأول) 2025، أي قبل فترة وجيزة من اتساع رقعة الاحتجاجات، أعلن المدير العام لشركة المياه الإقليمية في محافظة فارس أن أكثر من 90 في المائة من النطاقات التي خضعت لدراسات المياه الجوفية في المحافظة تقع ضمن تصنيف المناطق المحظورة أو المحظورة بشدة.
وعزا المسؤول هذه الحالة إلى السحب المفرط للمياه، وتكرار موجات الجفاف، وانخفاض معدلات هطول الأمطار، واعتماد محافظة فارس بدرجة كبيرة على الزراعة. وتؤدي هذه القيود إلى زيادة الضغوط على الإنتاج ودخل الأسر التي تعتمد في معيشتها على الأراضي الزراعية والمياه.