وتقدم آراء المواطنين صورة واضحة عن الأضرار النفسية، وانهيار المشروعات الصغيرة، وانفجار الغضب الشعبي تجاه النظام.
ويُشار إلى أن شركتي "همراه أول" و"إيرانسل"، وهما المشغّلان الرئيسيان للهاتف المحمول في إيران، رفعتا أسعار المكالمات والرسائل النصية وباقات الإنترنت بنسبة تصل إلى 40 في المائة، اعتبارًا من مطلع 23 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.
وسألت "إيران إنترناشيونال" متابعيها عبر "إنستغرام" عن تأثير ارتفاع أسعار الإنترنت على شراء الباقات أو حجم استهلاكهم.
وأجاب مئات الأشخاص عن السؤال، وكشفت مراجعة ردودهم عن صورة للضغوط المالية، وتقييد الاستخدام اليومي، وتغيّر العادات الرقمية.
وتظهر هذه الردود أن تأثير ارتفاع أسعار الإنترنت ليس متساويًا على الجميع؛ إذ تحول الإنترنت بالنسبة إلى البعض إلى خدمة يتعين عليهم إدارة استهلاكها، بينما لا يزال التواصل عبر الإنترنت بالنسبة إلى آخرين ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.
وتعكس الرسائل، التي وصلت إلى "إيران إنترناشيونال"، غضب المتابعين من ارتفاع أسعار الإنترنت. وقال بعضهم إنهم قلّصوا وجودهم على شبكات التواصل الاجتماعي لخفض النفقات، فيما أكد آخرون أنهم مضطرون إلى دفع المزيد بسبب حاجتهم إلى الإنترنت.
تغيير قسري في نمط الحياة
أبرز تغيير يمكن ملاحظته في رسائل المتابعين هو التغيير القسري في نمط الحياة الرقمية.
وكتب كثيرون أنهم اضطروا إلى خفض جودة مشاهدة مقاطع الفيديو، وتقليص تصفح شبكات التواصل الاجتماعي والتنقل بين المنشورات في قسم "استكشاف"، إلى جانب القلق المستمر من نفاد سعة باقات الإنترنت.
وباتت هذه التجربة مصدرًا للإرهاق النفسي لدى كثير من المستخدمين.
وكتب أحد المتابعين في هذا السياق: "لم يتغير حجم استهلاكي، لكن مزاجي تغير. لم أعد أستمتع، وأتحقق باستمرار من أن باقتي لم تنفد. لم يعد بإمكاني استخدام الإنترنت براحة بال كما في السابق".
وبالنسبة إلى بعض المستخدمين، يتجلى هذا التقشف في تقليل الوقت الذي يقضونه على إنستغرام ويوتيوب، والحد من تنزيل الأفلام والمسلسلات، فيما يلجأ آخرون إلى تقليل عدد مرات تفقد هواتفهم المحمولة.
وقال آخرون إنهم حذفوا صفحات الترفيه من حساباتهم كي تكفيهم باقات الإنترنت، واكتفوا بمتابعة الصفحات الإخبارية المهمة.
وكتب أحد المواطنين: "لم أعد أرغب في الإمساك بالهاتف. نستخدمه بصعوبة وبشكل محدود للغاية؛ أي إنني أتابع الأخبار المهمة والصفحات الإخبارية فقط، حتى تكفيني الباقة ثلاثة أو أربعة أيام على الأقل. ولم أعد أزور صفحات المدونين الذين أحبهم".
شبح الإفلاس يهدد المتاجر الإلكترونية الصغيرة
تتناول مجموعة أخرى من الرسائل الأضرار الاقتصادية وانهيار المشروعات الصغيرة.
وفي ظل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بإيران، بعدما أصبحت الفضاءات الافتراضية المصدر الوحيد لكسب الرزق لدى شرائح واسعة من السكان، أدى ارتفاع تكلفة أدوات العمل إلى زيادة خطر الإفلاس الذي يهدد هذه المشروعات.
وفي الرسائل الواردة إلى "إيران إنترناشيونال"، أفاد أصحاب الأعمال التجارية عبر الإنترنت بتراجع عدد مستخدمي "إنستغرام" وانخفاض مبيعاتهم بشدة.
وكتب أحد المتابعين: "ارتفاع أسعار الإنترنت، الذي أضيف إلى مشكلة السرعة المنخفضة المستمرة، يدمر متاجرنا الإلكترونية".
وقال آخرون إنهم يعملون عن بُعد وتعتمد وظائفهم على الإنترنت، وإن تكلفة شراء الباقات ونفاد سعتها بسرعة، إلى جانب الحجب، باتت تهدد دخلهم.
محاولة للحفاظ على نافذة التواصل الوحيدة
على الرغم من ارتفاع أسعار الإنترنت وبطئه ورداءة جودته، لا يزال الإيرانيون مضطرين إلى شرائه.
وتشير رسائل المواطنين الإيرانيين إلى أن هذا الاضطرار يعود إلى عاملين: أولهما الاعتماد المعيشي والحيوي للمشروعات الصغيرة على هذا الفضاء، وثانيهما الحاجة إلى إبقاء نافذة الأمل مفتوحة ومواصلة التواصل مع العالم.
وذكّر بعضهم بأن الهواتف المحمولة تمثل النافذة الوحيدة المطلة على العالم الحر في بلد أغلق فيه النظام جميع أبواب الفرح والترفيه والرفاهية أمام المجتمع.
وتظهر رسائل المستخدمين أن كثيرين مستعدون للتخلي عن احتياجات أساسية، مثل الطعام والملابس، لكنهم لا يريدون خسارة مصدر البهجة الوحيد هذا وجسر التواصل مع العالم.
ووصف أحد المتابعين الوضع قائلاً: "نضطر إلى اقتطاع نفقات من أبواب أخرى لتوفير المال اللازم للإنترنت. نحن متعلقون به كما يتعلق المدمن بالمخدرات، فيقتطع من نفقاته الأخرى لتوفير ثمنها".
وكتب مواطن آخر أن النظام الإيراني قضت سابقًا على الطعام والملابس والترفيه، وهي تريد الآن أن تنتزع من الناس "هذه النافذة الصغيرة التي تتيح لهم التنفس والتواصل مع العالم الحر".
"الرقابة الاقتصادية" وتراكم غضب غير مسبوق
يظهر تحليل الرسائل أن الرأي العام لا ينظر إلى ارتفاع الأسعار باعتباره مجرد قرار اقتصادي.
وأشار بعض المستخدمين صراحة إلى أن النظام الإيراني ينفذ مشروعًا لـ "الرقابة الاقتصادية"، بهدف إقصاء المواطنين عبر رفع الأسعار بعدما عجزت عن إسكاتهم من خلال الحجب.
لكن المواطنين أكدوا أنهم لن يستسلموا لهذا الابتزاز الواضح.
وشدد عدد كبير من المستخدمين على أنهم لن يقطعوا تواصلهم بعضهم مع بعض، ولن يتخلوا عن الاتصال بالعالم الحر.
وكتب أحد المتابعين، مشيرًا إلى هذا الإصرار: "لم يؤثر ذلك على استهلاكي، لكنه ألحق ضررًا كبيرًا بجيبي. لكن الوقت الحالي ليس مناسبًا للتوفير في الإنترنت. فهذا أقل ثمن ندفعه في سبيل النضال".
أما أبرز ما يظهر في كلمات المواطنين فهو الغضب المتراكم والشديد.
وأشار عشرات الأشخاص إلى أن شتائمهم ولعناتهم الموجهة إلى النظام والمرشد الإيراني تضاعفت عشرات المرات.
وكتب أحد المواطنين: "أستهلك باقتي في شتم خامنئي".
وأكد آخر: "ازداد عدد التعليقات التي تتضمن الشتائم والإهانات الموجهة إلى المسؤول عن ذلك والمتسبب فيه".
وأشار بعضهم إلى أن كل تومان إضافي يُدفع مقابل الإنترنت هو بمثابة لبنة تُضاف إلى جدار الغضب الشعبي؛ غضب يتراكم، وقد يأتي يوم ينهار فيه هذا الجدار فوق رؤوس المتسببين فيه.