التوحد في إيران.. معركة غير متكافئة من أجل الحياة
في ركن من مدينة مزدحمة، يجلس طفل وحيد خلف النافذة، يختبر العالم بطريقة مختلفة عن الآخرين. التوحد هو عالم مختلف مليء بالتفاصيل، لكن في إيران، يتم تهميش الأفراد المصابين بالتوحد، وما زالوا يعيشون في عالم مجهول وسط سوء الفهم.
على الرغم من زيادة الوعي العام حول التوحد، لا يزال الأفراد المصابون بهذا الاضطراب في إيران وعائلاتهم يواجهون تحديات عديدة في مجالات التشخيص، والعلاج، والتعليم، والدعم الحكومي.
بالنسبة للعديد من العائلات التي لديها أطفال مصابون بالتوحد، يمثل اليوم العالمي للتوحد (الثاني من أبريل/نيسان) فرصة لإعادة قراءة الوضع والمشكلات التي لم تجد حلاً منذ سنوات.
السير في الظلام
في إيران، لا توجد بيانات دقيقة ومحدثة عن عدد الأشخاص المصابين بالتوحد، ولا برنامج شامل لدعمهم.
يقال إنه مقابل كل 150 ولادة في إيران، يُضاف طفل مصاب بالتوحد إلى سكان البلاد. قدرت بعض الإحصاءات غير الرسمية في عام 2023 عدد المصابين بالتوحد في إيران بما بين 800 ألف و1.5 مليون شخص، أي حوالي 1.5 في المائة من إجمالي سكان البلاد.
وفقًا للمعلومات الصادرة عن منظمة السجل المدني في البلاد، فإنه في السنوات الأخيرة، يُضاف سنويًا حوالي 7400 شخص إلى عدد المصابين بالتوحد في البلاد.
إن غياب نظام إحصائي دقيق حول المصابين بالتوحد يشهد على الإهمال الهيكلي لهذه القضية في إيران.
في تقرير نُشر في أبريل (نيسان) 2022 من قبل جمعيات متخصصة، تمت دراسة عينة إحصائية تضم حوالي 5000 شخص مصاب بالتوحد، وتبين أن 44 في المائة منهم يعانون من توحد شديد، و30 في المائة متوسط، و26 في المائة خفيف.
من هؤلاء، كان 32 في المائة معتمدين كليًا على الآخرين، و49 في المائة شبه مستقلين ويحتاجون إلى مساعدة.
التوحد ليس له علاج نهائي، لكن التشخيص المبكر يحسن من مسار العلاج ويؤدي إلى تمكين الشخص المصاب من التواصل مع محيطه وتعلم المهارات الأساسية.
ومع ذلك، فإن غياب الإحصاءات الدقيقة والشفافة جعل هذا الاضطراب في إيران يظل محاطًا بهالة من الجهل وسياسات غير صحيحة، بينما يمتلك العديد من الدول برامج شاملة للتشخيص المبكر، والدعم التعليمي، وتوظيف الأشخاص المصابين بالتوحد.
آباء الأفراد المصابين بالتوحد في إيران لا يفتقرون فقط إلى الدعم الحكومي، بل يواجهون أيضًا مشكلات جسيمة للحصول على الخدمات الأساسية.
يقول والد طفل مصاب بالتوحد إنه فقط عند التوجه إلى منظمة الرعاية الاجتماعية والمتابعة، يُمنحون مبلغًا ضئيلًا جدًا، لكن في أغلب الأحيان، عليهم دفع التكاليف بأنفسهم.
هذه المبالغ الضئيلة والإجراءات الإدارية المعقدة للحصول عليها تأتي في وقت تُقدم فيه العديد من الخدمات التي يحتاجها المصابون بالتوحد، مثل العلاج الوظيفي والعلاج بالكلام، في مراكز القطاع الخاص بتكاليف باهظة.
تكاليف باهظة ودعم ضئيل
الحياة مع التوحد في إيران لا تهمش الأفراد المصابين به فقط، بل تُشكل أيضًا ضغطًا اقتصاديًا هائلاً على العائلات.
التوحد من الاضطرابات التي تتطلب تشخيصًا مبكرًا وتدخلات علاجية مستمرة. لكن في إيران، ينتظر العديد من العائلات أشهرًا للحصول على خدمات التشخيص، وتستنزف تكاليف العلاج بالكلام، والعلاج الوظيفي، والعلاج السلوكي جزءًا كبيرًا من دخلهم.
في الدول المتقدمة، تُغطى العديد من هذه الخدمات بواسطة التأمين.
في إيران، على الرغم من أن التأمينات الصحية تتضمن على الورق خدمات لهؤلاء الأطفال، إلا أن الكثير من هذه الخدمات إما غير مشمولة أو تتطلب إجراءات بيروقراطية مرهقة.
الحزمة الخدمية التي حددتها وزارة الصحة والعلاج والتعليم الطبي في إيران لمريض توحد متوسط المستوى تشمل أكثر من 25 جلسة تأهيلية. بلغت تكلفة هذه الحزمة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 حوالي 8 ملايين تومان.
ووفقًا لتقارير المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي، تتراوح تكاليف جلسات التأهيل، والعلاج الوظيفي، والعلاج بالكلام، والعلاج السلوكي للأفراد المصابين بالتوحد بين 10 و30 مليون تومان شهريًا، لكن المساعدات الحكومية لا تغطي أحيانًا حتى تكلفة جلسة واحدة.
يقول بعض الآباء إنهم اضطروا إلى الانتظار لأشهر للحصول على خدمات علاجية متخصصة أو حتى السفر إلى محافظات أخرى.
نظام تعليمي غير فعال
بالنسبة للأطفال المصابين بالتوحد، يلعب التعليم دورًا حيويًا، لكن النظام التعليمي في إيران لم يتمكن من التكيف مع احتياجات هذه الفئة، وتحولت المدارس إلى تحديات مرهقة لهؤلاء الأطفال وآبائهم بدلاً من أن تكون مكانًا للنمو والتطور.
وفقًا لتقارير الإعلام المحلي، تأسست أول مدرسة حكومية للفتيات المصابات بالتوحد في إيران عام 2021، لكن هذه المدرسة تغطي فقط المرحلة الابتدائية.
في أحد التقارير المتعلقة بعام 2023، نقل عن آباء أطفال مصابين بالتوحد أن المدارس الخاصة كانت تتقاضى منهم "أكثر من 20 مليون تومان شهريًا" كرسوم تعليمية.
لا توجد إحصاءات محددة في إيران حول عدد الأطفال المصابين بالتوحد الذين حُرموا من التعليم، لكن التقارير غير الرسمية تشير إلى أن نسبة كبيرة منهم يتوقفون عن الدراسة بسبب غياب الظروف التعليمية المناسبة.
ترفض العديد من المدارس قبول الأطفال المصابين بالتوحد، مما يؤدي إلى طرد الطفل المصاب من المدارس العادية بسبب غياب بيئة تعليمية مناسبة، وتسليمه إلى مراكز غير متخصصة.
تضطر العائلات إلى إرسال أطفالهم المصابين بالتوحد إلى مدارس استثنائية، حيث يوضع الأفراد المصابون بمتلازمة داون، واضطرابات التعلم، والإعاقات الجسدية معًا في فصل واحد.
لكن غياب البرامج التعليمية الملائمة لاحتياجات هؤلاء الأطفال في العديد من المدارس الاستثنائية يترك مستقبلهم الدراسي والمهني في طي النسيان.