النظام الإيراني بين أزمتي الشرعية والسيادة | ایران اینترنشنال

النظام الإيراني بين أزمتي الشرعية والسيادة

تلعب الآيديولوجيا الحاكمة في الأنظمة الشمولية دورًا مهمًا وبارزًا في إضفاء الشرعية، وتعزيزها في عملية تحويل القوى السياسية إلى سلطة، بحيث يؤدي هذا العمل في النهاية إلى ربط الجزء الأكبر من المجتمع بالنظام السياسي مع إرضائه، حيث تتحول هذه الآيديولوجيات إلى خطاب سائد من خلال آليات مختلفة، أهمها السيطرة باحتكار وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية-الثقافية للتغلغل إلى الطبقات الدنيا من قيم واعتقادات المجتمع وتأمين الشرعية اللازمة لاستمرار سيادة النظام السياسي.

"الإسلام السياسي الشيعي" أيضًا آيديولوجيا كانت مسيطرة لدرجة تمكنت خلالها من أن تلعب دورًا مميزًا منذ أكثر من عقدين في تعبئة الجزء الأكبر من المجتمع الإيراني لإضفاء الشرعية على النظام، وإيجاد حاضنة لخطاب مدروس، لتبرير استمرار حكم نظام الجمهورية الإسلامية. بالطبع هذا النظام الآيديولوجي تمكن من تداول السلطة مع نفسه، عن طريق بعض أجزاء هيكلته، ضمن مظاهر استعراضية تسمى الانتخابات، يقوم بتمثيلها التياران الإصلاحي والأصولي، متيحًا عبرها فسحة للمجتمع والمنتقدين الداخليين للنظام، ومبررًا بها عبوره من الأزمات المتعددة وبقاءه على قيد الحياة. 

وهكذا فإن الترابط بين الآيديولوجيا وشبه الانتخابات منحت الجمهورية الإسلامية استمرار سلطتها واستخدام قدرتها الشرعية في العقدين الأولين بعد الثورة.

في تلك الأثناء كانت القوى السياسية والاجتماعية المتفرقة في نسيج المجتمع الإيراني الشاب تتطور وتتكامل باستمرار على شكل حركات مختلفة ضمنها الحركات القومية والطلابية والعمالية والنقابية، وبشكل خاص النسوية. 

في نفس السياق، وعلى مدى العقدين الماضيين، وبالتزامن مع تطور تكنولوجيا الاتصالات والفضاء الإلكتروني، ظهرت تحديات أعمق للنظام التقليدي المحب للسلطة، ولا سيما مع انتشار الأشكال المختلفة للحداثة بين الطبقات الدنيا في المجتمع، ودورها في تغيير الموقف الديني-العقائدي لغالبية الشعب.

من خلال إلقاء نظرة عامة على احتجاجات العقدين الماضيين يمكن الاعتراف بأن النمو البطيء، لكن المتنامي، لكثير من حركات الاحتجاج في مختلف فئات المجتمع، وكذلك تقاربها وتشابكها وتحركها نحو تشكيل حركة اجتماعية شاملة، يُظهر ضعف القاعدة الاجتماعية الآيديولوجية للسلطة، وضعف معتقدات الجزء الأكبر من القوى المؤيدة للنظام، وفي النهاية تفاقم أزمة شرعية النظام السياسي. 

دون شك، لا يمكن تجاهل أهمية فشل النظام السياسي وتدوير الفساد المنظم في نشر الإحباط المتزايد لمختلف الطبقات الاجتماعية، في تكامل عملية نزع الشرعية من هذا النظام.

من الضروري أن نذكر هنا هذه الحقيقة وهي أن أول مرة قيل فيها "لا" لهذا النظام بشكل واضح وصريح كانت في استفتاء عام 1979. حيث سجل الأكراد النسبة الأعلى. إلا أن الأمر استغرق عقدين من الزمن تقريبًا لوضع آيديولوجيا شرعية النظام أمام المساءلة، والانهيار التدريجي لأسطورة السلطة. لقد أصبحت المعارضة الصريحة للمبادئ الحاكمة على النظام السياسي وخطابه المهيمن مطلبًا عامًا بين فئات المجتمع الإيراني المختلفة.

ضمن هذا السياق يمكن أن نعتبر حركة الطلاب الاحتجاجية عام 1999 التي ترافقت مع مساعي جزء من نخب المجتمع لتأسيس خطاب جديد، هي أول موجة للاحتجاجات ورمز للمعارضة الصريحة للخطاب السائد في النظام السياسي. 

عقب ذلك شهدت إيران قمعاً وحشياً لعدة حركات احتجاجية، ازداد في الموجتين الثانية والثالثة (الموجة الثانية في يونيو/ حزيران 2009، والموجة الثالثة في ديسمبر/ كانون الأول 2017، والأخيرة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019)، وهنا يجب الإشارة إلى أن تقلص الفارق الزمني بين الاحتجاجات الأخيرة يعكس واقع المجتمع الإيراني وتخمر التطورات للانتقال إلى مرحلة جديدة.

بشكل واضح فإن القمع والقتل، إضافة إلى الاعتقالات الواسعة في الاحتجاجات على تزوير انتخابات عام 2009. وردود الفعل العنيفة جدًا في الموجة الثالثة تعكس مخاوف النظام الذي تجلى بوضوح في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حيث انتقلت أزمة الشرعية السياسية إلى درجة أعمق، وهي "أزمة السيادة".

في هذه المرحلة من الأزمة، خسر النظام السياسي جزءًا من قدرته مع انهيار الرموز المشرعة لـ"القوة" وبالتالي خسر أدوات إمكانية تبديلها لـ"قدرة السلطة" (القدرة الشرعية). بعبارة أخرى، فقدت الآيديولوجيا والخطاب السائد مصداقيتهما كجسر بين النظام السياسي والشعب. 

مع ظهور هذه الفجوة العميقة بين النظام السياسي والشعب. فإن الحكام في الواقع فقدوا شرعية ممارسة السلطة السياسية في إدارة البلاد، حيث إن "قدرة السلطة" هي في الأصل للشعب وتُفوض إلى الحكام بموجب عقد اجتماعي. 

في التعريف البسيط لهذه العلاقة، فإن الشعب هو "صاحب الحق"، والحكام "موظفون" لتحقيق النفع العام، التعريف الذي يعمل بعكسه الحكام الطماعون في الجمهورية الإسلامية.

منذ موجة الاحتجاجات الثانية وبعدها، فإن نوع المطالب ومدى اتساع الاحتجاجات من جهة، وردة الفعل العنيفة جدًا للنظام المتضمنة للقتل والاعتقالات الواسعة للشعب والمتظاهرين من جهة أخرى، ما هي إلا شهادة ثابتة على أن النظام الآيديولوجي الحاكم لم يعد لديه القوة والأهلية لتوجيه القوة السياسية لإدارة الشؤون في البلاد. 

وعليه فقد أدرك النظام هذه الفجوة وأصابه اضطراب ولم يجد طريقة سوى استخدام القوة المطلقة لقمع وقتل الشعب دون رحمة.

في نفس السياق، يبدو من المهم أيضًا ذكر ملاحظة ضرورية، أنه بعد الموجة الثانية من الاحتجاجات (يونيو/ حزيران 2009) أدرك النظام السياسي انهيار هيكلية قدرته، واطلع على أزمة السيادة التي يواجهها، وعليه أخذت القوة بيد العسكريين وبشكل أساسي الحرس الثوري تتوسع وتتعاظم في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وبدأ تطبيق هذه السياسة على نطاق أوسع خلال فترة رئاسة أحمدي نجاد. واليوم لم يعد خفيًا على أحد أن الحرس الثوري في مركز قيادة وإدارة عمليات القمع العنيف ضد المتظاهرين في الشوارع، وهو المؤسسة متعددة الأوجه (عسكرية - سياسية - اقتصادية) التي تحتكر كل نقاط القوة، وأصبحت في أغلب المجالات المحرك الأساسي لإنتاج الفساد المنظم وتدويره بشكل متزايد أيضًا.

بناء على ما سبق وبالنظر إلى كل الظروف يمكن فهم سلوك النظام المؤدلج المسيطر ضد الاحتجاجات بشكل أفضل، النظام الذي فقد أوراق شرعيته الشعبية وضع قدمه الأولى في مرحلة الزوال، التي يستخدم فيها القوة المطلقة لقمع الشعب وقتل المواطنين، طالما أصبح استخدام العنف أمرًا مصيريًا لبقاء النظام، المثال الأوضح على ذلك القتل والاعتقالات في الاحتجاجات الأخيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

لا شك أن بقاء واستمرار النظام السياسي الغارق في أزمات الشرعية السياسية والسيادة لن يكون دون فاتورة من القمع الذي سيعمق بدوره الفجوة بين الشعب والنظام السياسي، ويؤدي بطبيعة الحال لمزيد من إنتاج وتدوير سلسلة أزمات أكثر.

بالتالي فإن النظام الجشع عالق في مرحلة خلق الأزمات، يصارع بين هاتين الأزمتين العميقتين الواسعتين من أجل بقائه، لكن عاجلاً أم آجلاً لن يكون لديه حل سوى الاعتراف بحقيقة أن القمع والقتل لن يضمنا له بقاءه أيضًا.

 

باحث في العلوم السياسية
إيران بالمختصر
أعلنت القناة المستقلة على "تلغرام"، لعمال شركة هفت تبه لقصب السكر، جنوب غربي إيران، أنه تم قبل أيام إطلاق 18 رصاصة على منزل محمد خنيفر أحد ممثلي عمال...More
أفادت وكالة أنباء "إرنا" الإيرانية بأن المرحلة الأولى من بيع النفط المسبق للمواطنين، أو بيع العقود الآجلة للنفط، ستبدأ بعد غد الأحد 16 أغسطس (آب)، في...More
أعلنت منظمة "هنغاو" لحقوق الإنسان أن قوات الحدود أطلقت، اليوم الخميس 13 أغسطس (آب)، النار على هادي خدري، العتال، البالغ من العمر 22 عاماً في حدود...More
وصف المجلس التنسيقي للجمعيات الثقافية الإيرانية الحالة الصحية داخل سجن "إيفين" بأنها "مروعة"، وأفاد بأن "المرضى وسجناء آخرين يتم تجميعهم معًا"، وذلك...More
أفادت منظمة "أوبك"، في تقريرها الشهري، بأن إنتاج النفط الإيراني اليومي في يوليو (تموز) الماضي، بلغ مليونا و936 ألف برميل، بانخفاض 11 ألف برميل عن...More